في ظل قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني: التآزر عنوان العدالة الاجتماعية الجديدة

تُعدّ المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “التآزر” إحدى أبرز الأدوات الاجتماعية التي أُنشئت خلال مأمورية فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لتكون الذراع التنفيذية للسياسات الموجهة لمحاربة الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.
غير أن “التآزر” ليس مجرد قطاع حكومي يُنفذ برامج دعم، بل هو مشروع سياسي–اجتماعي يعكس تصورًا جديدًا لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في موريتانيا.
أولاً: الخلفية السياسية لإنشاء التآزر
جاء تأسيس التآزر في سياق سياسي واضح:
– الانتقال من مقاربة الإغاثة الظرفية إلى مقاربة مؤسساتية دائمة للحماية الاجتماعية.
– تحويل التعهدات الانتخابية إلى برامج قابلة للقياس.
– جعل الفئات الهشة في صلب السياسات العمومية، لا في هامشها.
وقد ارتبطت تدخلات التآزر بثلاث مرجعيات استراتيجية:
1- برنامج “تعهداتي”.
2- استراتيجية النمو المتسارع والرفاه المشترك (SCAPP).
3- الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية.
بذلك أصبحت التآزر أداة تنفيذية لجزء كبير من “العقد الاجتماعي” الجديد الذي طرحته السلطة الحالية.
ثانياً: من هم المستفيدون؟ (البعد الاجتماعي)
تستهدف التآزر:
– الأسر الفقيرة
– ذوو الدخل المحدود
– الأرامل والأيتام
– الأشخاص ذوو الإعاقة
– العاطلون عن العمل
– المزارعون والمنمون الصغار
سياسياً، هذا يعني أن التآزر تتوجه إلى القاعدة الاجتماعية الأوسع في البلاد، خاصة في الأرياف والضواحي الحضرية الهشة.
وتشير الأرقام الرسمية إلى:
– إدماج أكثر من 100 ألف أسرة في التحويلات النقدية الدائمة.
– استفادة مئات الآلاف من الدعم الغذائي والنقدي.
– تعميم التأمين الصحي على نحو 100 ألف أسرة.
هذه الأرقام تعني عملياً أن شريحة معتبرة من المجتمع أصبحت مرتبطة مباشرة بسياسات الحماية الاجتماعية للدولة.
ثالثاً: البرامج الكبرى… قراءة سياسية
1- التحويلات النقدية (برنامج تكافل)
– رفع المبلغ الربع سنوي.
– توسيع عدد المستفيدين إلى نحو 98 ألف أسرة.
– تحويلات تجاوزت عشرات المليارات من الأوقية القديمة.
البعد السياسي: هذا البرنامج يرسّخ فكرة “الدولة الراعية” التي لا تترك مواطنيها دون حد أدنى من الحماية، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالاً سياسياً حساساً:
هل هو تمكين دائم أم إعالة مستمرة؟
الرئيس شدد بوضوح على أن الدعم لا يكفي وحده، وأن العمل والمثابرة شرط للتحول الحقيقي.
2- التعليم… المدرسة الجمهورية
– تشييد وتجهيز عشرات المدارس الابتدائية والثانوية.
– برنامج تغذية مدرسية شمل عشرات الآلاف من التلاميذ.
الرسالة السياسية: المدرسة ليست بناية فقط، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي الوطني وتقليص الفوارق الطبقية.
عندما تُبنى مدرسة في حي هش، فإن ذلك يعني نقل أبناء الفئات الهشة إلى فضاء الدولة النظامي.
3- الصحة والتأمين الصحي
– بناء وتجهيز منشآت صحية.
– توفير التأمين الصحي المجاني لـ 100 ألف أسرة.
– مكافحة سوء التغذية لدى الأطفال.
البعد العميق: الصحة هنا ليست خدمة فقط، بل اعتراف عملي بحق الفقير في العلاج دون إذلال أو انتظار صدقات.
4- المياه والكهرباء
– شبكات مياه لقرى عديدة.
– حفر آبار.
– كهربة بلدات ريفية.
سياسياً، الماء والكهرباء هما رمزان للدخول في دائرة “المواطنة الكاملة”.
القرية التي تُربط بالكهرباء لم تعد خارج المجال الوطني التنموي.
5- السكن الاجتماعي (برنامج داري)
– مشروع لبناء 10,000 وحدة سكنية.
– وحدات في الأرياف والحضر.
هذا البرنامج يحمل بعداً اجتماعياً عميقاً:
تحويل السكن من مصدر هشاشة إلى قاعدة استقرار.
6- تمويل المشاريع المدرة للدخل
– تمويل آلاف المشاريع.
– دعم تعاونيات زراعية وإنتاجية.
– منصة للقروض الصغيرة.
هنا يظهر التحول من “الدعم الاستهلاكي” إلى “الدعم الإنتاجي”.
وهذا هو جوهر التمكين الحقيقي.
رابعاً: السجل الاجتماعي… التحول المؤسسي
تطوير سجل اجتماعي يغطي أكثر من 200 ألف أسرة يُعد من أهم التحولات البنيوية.
سياسياً، هذا يعني:
– الانتقال من استهداف عشوائي إلى استهداف مبني على بيانات.
– تقليص الزبونية والمحسوبية.
– تعزيز الشفافية.
وهو عنصر حاسم لبناء دولة اجتماعية حديثة.
خامساً: رسالة فخامة الرئيس… ماذا أراد أن يقول؟
في خطاباته حول التآزر، ركّز الرئيس على ثلاث أفكار مركزية:
1- الكرامة: الدعم ليس منّة، بل حق.
2- تكافؤ الفرص: الفقر لا ينبغي أن يحدد مصير الإنسان.
3- رفض الاتكالية: التحويلات ليست غاية، بل جسر للعبور.
وهنا تكمن الرسالة العميقة: التآزر ليس مشروع صدقات، بل مشروع انتقال اجتماعي من الهشاشة إلى الفاعلية.
سادساً: النجاحات المحققة
خلال السنوات الماضية، تمكنت المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “التآزر” من ترسيخ حضورها كأحد أهم الفاعلين الاجتماعيين في البلاد، وهو ما يتجلى في عدد من المؤشرات الواضحة:
– حجم استثمارات معتبر عكس أولوية البعد الاجتماعي في السياسات العمومية.
– انتشار وطني واسع شمل مختلف الولايات، بما في ذلك المناطق الريفية والهشة.
– أثر مباشر وملموس على الأسر الفقيرة من خلال التحويلات النقدية، التأمين الصحي، ودعم الأنشطة المدرة للدخل.
– استجابة فعالة خلال جائحة كوفيد-19 عبر تدخلات غذائية ونقدية سريعة حدّت من آثار الأزمة على الفئات الأكثر هشاشة.
هذه النتائج لم تكن ظرفية، بل شكلت قاعدة اجتماعية صلبة لسياسات الحماية الاجتماعية في البلاد.
سابعاً: التآزر كتحول في فلسفة الدولة
لم تكن المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “التآزر” مجرد إضافة إدارية إلى هيكل الدولة، بل شكلت تحولاً في فلسفتها التنموية ذاتها.
فمن دولة انشغلت لعقود بالبنية الصلبة ـ الطرق، المباني، والمنشآت ـ إلى دولة بدأت تستثمر بوعي في البنية الاجتماعية: الإنسان، كرامته، قدرته على الصمود، وفرص اندماجه في دورة الإنتاج.
إنها مقاربة تعيد تعريف معنى التنمية.
التنمية هنا ليست مجرد ارتفاع في مؤشرات النمو أو زيادة في الأرقام الكلية، بل هي تحسن ملموس في حياة الفئات الأضعف، وتقليص للفوارق، وفتح لمسارات جديدة أمام من كانوا على هامش الاقتصاد والمجتمع.
التآزر ليست مؤسسة تنفيذ برامج فحسب.
هي في عمقها:
– أداة تنفيذية لترجمة السياسات الاجتماعية إلى نتائج ملموسة.
– رسالة سياسية تؤكد أن العدالة الاجتماعية خيار استراتيجي لا شعار مرحلي.
– مشروع لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، على أساس الكرامة وتكافؤ الفرص والمسؤولية المشتركة.
إن نجاحها لا يُقاس بعدد المدارس المشيدة أو الآبار المحفورة فحسب، بل بمدى قدرتها على إحداث تحول اجتماعي حقيقي:
خلق شريحة اجتماعية جديدة خرجت فعلياً من دائرة الفقر إلى فضاء الإنتاج والاعتماد على الذات والعيش الكريم — وهي مؤشرات بدأت معالمها تظهر بشكل متدرج وملحوظ في عدد من المناطق المستفيدة.
وفي ظل قيادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، تحولت هذه الرؤية إلى سياسة عامة ذات تمويل معتبر وإرادة واضحة. لقد أسهمت التآزر في كسر جزء معتبر من الحلقة المفرغة للفقر، وحسّنت ظروف العيش لآلاف الأسر الهشة، واضعةً أسس انتقال تدريجي من منطق الإعالة إلى منطق التمكين.
وهذا، في نهاية المطاف، هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع تضامني في دولة نامية مثل موريتانيا: أن يتحول الدعم إلى فرصة، والفرصة إلى إنتاج، والإنتاج إلى كرامة مستقرة.




